المقالات

قطرة من بحر التسويق

إن المتعطش العربي لفن التسويق سيعاني من شح المصادر العربية ، فغالبية المصادر العربية قديمة ومتأخرة ، وطبيعة فن التسويق تستلزم التطور المستمر والمتسارع ، كون الادوات التسويقية سرعان ما يمّلها المستهلك ثم يفضل التجاهل كردة فعل طبيعية تجاه هذا التكرار الممل.لذا فإن افضل المصادر والكتاب والمسوقين الذين يستقي منهم الشخص فن التسويق المعاصر هم المسوقين الامريكيين ، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر : -Seth Godin -Gary Vaynerchukللتسويق الحديث محاور عديدة ومهمة جدا ليضعها المسوق في عين الاعتبار ، فمثلا كان التسويق في السابق "مركزي المنتج" اما اليوم اصبح "مركزي العميل". بمعنى انه في السابق كان المسوّق يسوّق المتتج بناء على مواصفات السلعة نفسها ، اما اليوم فالمسوّق يسوّق المنتج بناء على رغبات العميل نفسه.فالشركات في السابق كانت تحرص على ان تقدم منتج مبهر ذو جودة عالية ومواصفات رائعة ، اما الان لم يعد ذلك مهماً بقدر اهمية رغبة العميل ، ومثال ذلك ما تقوم به شركة هواوي من النزول عن رغبات العملاء ومعرفتها وتصنيع هواتف تلبي لهم هذه الرغبات ، وهذا سر انتشارها مؤخرا.وعلى العكس نجد ابل ، فهي تركز كثيرا على جودة هاتفها ومنتجاتها ، متجاهلة الى حد ما رغبات العميل ، ولذلك نجد ان كثير من المواصفات لازالت ابل متأخرة عن مواكبتها. اذن ما سر نجاح ابل؟ سر نجاح ابل ان سوّقت منتجاتها بطريقة ذكية جدا ، قبل ان اذكرها سأذكر ثلاث محاور مهمة في هذا الشأن:1.     ماذا؟2.     كيف؟3.     لماذا؟ماذا، تعني ماذا نبيع؟ نحن نبيع جهاز جيد الصنع بضمان سنتين… الخكيف ، بمعنى كيف يفيدك منتجنا؟ بسهولة استخدامه وتلبيته لجميع رغبات. اما المحور الثالث (لماذا) فهو محور مغمور لا تلتفت اليه كثير من الشركات.إلتفت اليه ابل وبدأت به اولا ثم تدرجت للمحورين الاخرين (كيف) ثم (ماذا). لن استفيض واتوسع في هذه المحاور رغم متعته وفائدته ، وللاستزادة حول الموضوع انظر الرابط التالي: http://go.ted.com/EjlkIgحين تبدأ من هذا المحور الثالث (لماذا) فإنك في طريقك لاحداث التغيير. هذا التغيير هو الذي لخّص Seth Godin التسويق فيه حين قال: Marketing makes change happen. If there is no change, the marketing didn't work. ومعناه ان التسويق هو احداث التغيير ، فإذا لم يحدث فالتسويق لم يعمل.اذا هذا هو لب التسويق كما يرى "سيث جودن" ، والتغيير يتم على عدة اصعدة ، كتغيير ثقافة المستهلك ، وعاداته ، ورغباته ، والاهم من ذلك هو تغيير سلوكه لينتقل من متفرّج على السلعة الى مشتري وحاضن لها ، بل الى ابعد من ذلك بأن يتحول الى مسوّق لها دون ان يشعر.فالمسوق الناجح هو الذي يعي ويعرف كيف يحدث هذا التغيير ، وهو نفسه -أي المسوق- الذي يعرف من هي فئته المستهدفة ، وهو نفسه الذي يقدم الوعد لهذه الفئة. اذن لتنجح عملية التسويق عليك ان: -تحدد الفئة المستهدفة بدقة وعناية. تحدد التغيير الذي تهدف لاحداثه.تقدم وعد واقعي للعميل.والوعد لا يجب ان يكون اكبر من المطلوب ، كما لا يجب ان يكون خارج عن المألوف ، كون ذلك سيقلل من مصداقيتك كثيراً ويؤثر على نجاح العملية التسويقية. المتلقي لفلسفة "سيث جودن" وخواطره الخلاقة حول التسويق يجدها تصب في مصب رئيسي وهو "نفسية العميل". فالتسويق مبتداه ومنتهاه هو العميل ، ولنجاح التسويق لابد ان يشتري العميل المنتج ، وهذا بحاجة الى قرار من العميل.والقرار بحاجة لاشارة من الدماغ ، ففي الدماغ جزء مسؤول عن اتخاذ القرار ليعطي الامر بالجوارح لتنفيذ هذا القرار. والعجيب ان هذا الجزء من الدماغ يستقي اوامره من الجزء الخاص بالعواطف ، والعواطف ما هي الا مجموعة من العوامل النفسية شكّلت وكوّنت هذه العواطف.اذن للحصول على مخرجات قرارية من العميل تصب في صالح شراء المنتج فعليك ان تساهم في ادخال مدخلات عاطفية لتؤثر على قراره. ولتفهم كيف تقوم بادخال هذه المدخلات عليك ان تعرف شخصية عميلك ونفسيته جيداً ، ولهذا برع التسويق الالكتروني وتميز عن التسويق التقليدي.حيث ان ادوات معرفة وقياس سلوك العميل في التسويق الالكتروني كثيرة وواسعة ، فمن خلال ادوات معينة تستطيع معرفة ماذا يحب عميلك وماذا يكره من خلال سلوكه المتتبع في وسائل التواصل الاجتماعي والوسائل التقنية.الا تلاحظ احيانا ان اعلان ما يطارد في كل موقع تدخله لمجرد انك بحثت سابقاً عن نفس المنتج في الاعلان؟ ليس هذا كل شي ، بل ما هذا الا جزء صغير جدا في عالم التسويق بشكل عام والتسويق الالكتروني بشكل خاص.كما ان التسويق الناجح يجب ان يحدث تغيير فإنه ايضا لابد ان يحاكي العلاقات الاجتماعية البشرية. على سبيل المثال فإن تقديم منتج لعميل بهدف شرائه هو تماما كالذي يصادف فتاة في الشارع فيطلب منها الزواج. مالذي سيدفع هذه الفتاة لقبول الزواج؟ كذلك مالذي سيدفع العميل لشراء هذا المنتج؟للعلاقات الانسانية مراحل وخطوات ، فمثلا العلاقة بين شاب وفتاة والتي تنتهي بالزواج تمر بمرحلة تعارف في البداية ، ثم تبادل الارقام ، ثم دعوتها على العشاء ، واخيرا التقدم بالزواج منها. وهذا يحدث ايضا بين المنتج والعميل في التسويق الالكتروني تحديدا ، في البداية تستهدف العميل بإعلان وهو ما يعبر عن التعارف ، هنا سيعرف العميل منتجك ولكن لا رابط بينه وبين المنتج و لا دافع يدفعه لشرائه. وهذا يقودنا لسؤال وهو: هل اعلن في قوقل ام في تويتر ام سناب شات ام غيرها؟وهناك من يقسمها تقسيمات مختلفة، كأن يقول اذا اردت الاشهار فأعلن في تويتر، واذا اردت الابهار فأعلن في انستقرام، واذا اردت شرح منتجك فأعلن في يوتيوب وهكذا. وفي الحقيقية فإني لااعلم اساس لهذه التقسيمات، بل الاساس ان تعرف من هو عميلك و اين يتواجد وتتجه اليه، ويمكنك ذلك بأدوات مساعدة .وبعد هذا الاستطراد البسيط في الاعلان اعود لاهمية محاكاة التسويق الالكتروني للعلاقات الانسانية ، فبعد التعارف (الاعلان) تأتي مرحلة تبادل الارقام ومعلومات التواصل ، وهو مايمثله تبادل الارقام مع الفتاة في العلاقات الانسانية. هذه المرحلة تسمى Lead Magnet ،وبالتمثيل يسهل الشرح ويقترب المقصود ، فلنفترض مثلا ان تبيع منتج طبي (دواء للمعدة) ، ففي اول مرحلة انت اعلنت بشكل جذاب عن توفر هذا الدواء في الاسواق. ثم جذب هذا الاعلان احد العملاء فضغط على الاعلان، يقوده ذلك الى اظهار محتوى على موقعك يحتوي معلومات حقيقية وجيدة جدا عن الام المعدة ، ولنفترض ان الوقت المستغرق لقراءة هذا المحتوى هو 6 دقائق ، بعد 3 دقائق ستعرف انه قرأ 50% منها ، اذن نجحت خطتك في استرعاء اهتمامه فتظهر له نافذة منبثقة تطلب ايميله لتبعث له معلومات طبية مفصلة عن شي اكثر تحديدا ، ولنقل مثلا حموضة المعدة ، بعد ان تكون قد عرفت اهتمامه بذلك ، وايضا يتم ذلك من خلال ادوات تحلل سلوكه واهتماماته والابحاث التي قام بها سابقاً على شبكة الانترنت. اذا حصلت على ايميله فهذا فرع تسويقي اخر ولكن تتشارك كثير من جزئياته فيما نحن في غمار الحديث عنه الان. ثم تأتي مرحلة تسمى tripwire بأن ترسل له عرض مغري لمنتج حقيقي وبسعر مخفض جدا ولكن ليس هو منتجك الاساسي ، فمثلا ترسل له دعوة لحضور مؤتمر عن الدواء الذي تبيعه وكيفية عمله في الجسم وقدرته على العلاج ، او تقدم له خدمة استشارة طبيب عن بعد ، وهذه المرحلة تحاكي دعوة الفتاة للعشاء. الان تكوّنت بينك وبين العميل علاقة ذات رابط قوي هنا تأتي مرحلة بيع المنتج ، والتي تحاكي طلب الزواج من الفتاة. الان العميل سيشتري منتجك بلا تردد. كل هذه العملية التسويقية لم تذهب هدر ، بل انت صنعت من هذا العميل مسوق ايضا وبنيت بينكما علاقة قوية جدا ، فما ان يشاهد اعلاناً جديداً لك حتى يكون اول المشترين دون المرور بكل هذا.ورغم ان التسويق الالكتروني بحر شاسع وعالم واسع ، وكل ما تقدم لا يعد الا قطرة في محيط ، ولكن سأكتفي بهذا القدر ، فالهدف هو الاشارة للمتلقي ببعض جوانب هذا الفن وليس الهدف الاحاطة به او التوسع فيه وفي تفاصيله. ارجو ان اكون قد وفقت في تقديم الفائدة ، واعتذر عن الاطالة.