المقالات

تسعير المنتج والخدمة

بدايةً فإني تعمدت كتابة "منتج وخدمة" لأوضح قبل كل شي مفهوم مغلوط ومنتشر ، وهو اطلاق لفظ "منتج" على السلع ، واطلاق لفظ "خدمة" على الخدمات ، وهذا خطأ. والصحيح ان المنتج هو لفظ يشمل السلع والخدمات ، فعند اطلاق لفظ منتج فإن المقصود قد يكون سلعة او خدمة او كلاهما.

والتفريق بين السلعة والخدمة سهل يسير ، فالسلعة مادية في اصلها ، لها وجود فيزيائي ، يمكن لمسها ومشاهدتها ونقلها بالمناولة ، اما الخدمة لا وجود فيزيائي لها وغير ملموسة.
 من امثلة السلع: 
 
الهاتف الذي بين يديك ، السيارة التي تركبها ، الملابس التي تلبسها ، وغيرها الكثير.

اما الخدمة فمن امثلتها: 

التطبيب ، والتمريض والتدريس وخدمات الاتصالات بما فيها الانترنت ، وخدمات التراسل والتواصل الاجتماعي كتويتر وفيس بوك وغيرها هي خدمات في اصلها غير ملموسة ولا وجود فيزيائي لها ولا يمكن نقلها بالمناولة بل تنتقل بطرق اخرى.
وبالمناسبة فإن ثورة الانترنت قد قلبت العديد من الموازين وغيرت الكثير من المفاهيم ، ففي السابق كانت السلع الملموسة اكثر قيمة من الخدمات الغير ملموسة ، وكانت الشركات التي تقدم السلع اكبر قيمة من غيرها ، فكانت شركة مثل كوكاكولا والتي تقدم سلعة المشروب الغازي تعد الاكبر قيمة في السوق الامريكي في عام 2011 ، ثم تقدمت عليها شركة ابل في عام 2013 والتي تقدم منتجات بين السلع كهاتف الايفون وبين الخدمات كخدمة ايتونز ، واستمرت على هيمنتها حتى نهاية العام 2018 وخلفها ثلاث شركات هي قوقل ثم امازون ثم مايكروسفت ، وجميعها تقدم منتجات بين السلع والخدمات ، وجزء كبير جدا من ربحياتها يأتي من خلال الخدمات التي تقدمها ، فأمازون مثلا تقدم خدمة AWS ، ومايكروسفت تقدم خدمات السوفت وقوقل كذلك فإنها تقدم العديد من الخدمات البرمجية ، فهذا عصر جديد ، عصر تهيمن فيه التقنية وتهيمن فيه شركات الخدمات ، عصر يتسم بعلو قيمة البيانات الضخمة وقوة البرمجيات والذكاء الاصطناعي. 

وبعد هذا التوضيح نأتي الان للتسعير ، فكل من السلع والخدمات يتم تسعييرها بناء على عدة عوامل يجب اخذها في الاعتبار جميعاً ، مثل طبيعة السوق وطبيعة المنافسين ، ومثل الفئة المستهدفة وقوتهم الشرائية وغيرها ، وكاستراتيجية التسويق ، فهنالك استراتيجية كشط السوق وهنالك استراتيجية اختراق السوق وغيرها من الاستراتيجيات ، ولكني سأتجاهل كل ذلك لاقفز على ما اراه اهم عامل.
في كل من السلعة والخدمة ، فأهم عامل في تسعير السلعة يختلف عن اهم عامل في تسعير الخدمة. 

في تسعير السلعة فإن اهم عامل هو التكاليف ، لا يمكن ان تبني تسعيرة لسلعتك دون ان تحسب تكاليف انتاجها ، ولا يعني ذلك تجاهل بقية العوامل بأي حال من الاحوال.
اما في تسعير الخدمات فالامر يختلف تماماً ، فأهم عامل في ذلك ليس التكاليف ، فالتكاليف في الخدمات قد تكون يسيرة جدا ولا تذكر ، ولكن اهم عامل يؤخذ بالاعتبار هو المنفعة ، فالمنفعة التي سيحصل عليها العميل هي الاهم. 
وفي الحالتين لا ينبغي بأي حال من الاحوال تجاهل بقية العوامل.

وذكر الاولويات لا يعني انها المحددات الوحيدة ، فكما قلت واكرر ان لعملية التسعير عوامل عديدة ، ولكن لا تظلم خدمتك بأن تسعرها بناء على تكاليفك دون ان تنظر للمنفعة بعين الاعتبار. وفي هذا الموضوع اذكر قصة طريفة لخبير في الشبكات قرأتها ذات مرة في التسعينات ، وهي ان شركة ما واجهت مشكلة في شبكاتها وحاولت حلها بشتى الطرق دون جدوى مما اضطرهم لاستدعاء الخبير ، والذي اشترط عليهم مبلغ الف دولار ، فقام بتتبع الشبكات حتى وصل لنقطة معينة فطرقها طرقة واحدة بالمطرقة ، فعادت الشبكات تعمل كما كانت ، وهنا استغربت الشركة من سعر هذه الخدمة رغم ان ماقام به بسيط جدا ولا يكلف شيء يذكر ، الا ان الخبير اجابهم بأم سعر طرقة المطرقة هو ريال واحد ، ولكن سعر المنفعة التي قدمها لهم من خلال خبرته هي 999 دولار و انه لا يبيع لهم طرقة المطرقة بل يبيع لهم خبرته ومنفعته.

نفس مضمون القصة تقريبا قرأتها قريباً جدا ، حيث قدّم احد الاشخاص المتخصصين في التسويق استراتيجية تسويقية لاحدى الشركات ، ولان هذا الشخص عليم وخبير في عمله فقد قدمها لهم في مدة وجيزة ، الا ان الشركة من شدة جهلها رفضت خدماته نظرا لارتفاع سعره مقابل الوقت الذي قدم لهم خدمته وخطته واستراتيجيته ، بالرغم من ان العائد المادي عليهم من هذه الخدمة سيكون كبير جدا. في الحقيقة فإن هذا الشخص لم يبع لهم وقت ، بل باع لهم خبرة ومنفعة ، ولكن بعض متخذي القرارات في بعض الشركات لا تعلم حقيقة كيف وصلوا الى ما وصلوا اليه ،
فاذا كنت عزيزي القاري مقدم خدمة فتذكر ان سعر خدمتك يكمن اولا في المنفعة التي تقدمها لا في التكلفة ، ثم تأتي عوامل الستعير الاخرى ، فمثلا اذا كنت من النوادر ممن يقدمون هذه الخدمة فبالطبع سيكون السعر اعلى مما لو كان العديد من الاشخاص غيرك يقدمونها ، وكما قلت وكررت ، لا ينبغي اهمال بقية العوامل ، ولكن عليك ان تعي اي العوامل تضعها في اولوياتك ، ولا تهتم لمن يقلل من تسعيرتك نتيجة لقلة الجهد المبذول ، فأنت من خلال خبرتك وقدرتك تبيع منفعة في الاساس لا تبيع وقت او جهد.